الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
105
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
وفي نفس الوقت الذي يجب أن يكون هذا المدبر عزيزا قويا لا يقهر ليقوى على القيام بهذه الأعمال المهمة ، ينبغي أن تقترن هذه العزة باللطف والرحمة ، لا الخشونة والغلظة . ثم تشير الآية التالية إلى نظام الخلقة الأحسن والأكمل بصورة عامة ، ومقدمة لبيان خلق الإنسان ومراحل تكامله بشكل خاص : الذي أحسن كل شئ خلقه وأعطى كل شئ ما يحتاجه ، وبتعبير آخر : فإن تشييد صرح الخلقة العظيم قد قام على أساس النظام الأحسن ، أي قام على نظام دقيق سالم لا يمكن تخيل نظام أكمل منه . لقد أوجد سبحانه بين كل الموجودات علاقة وانسجاما ، وأعطى كلا منها ما يطلبه على لسان الحال . إذا نظرنا إلى وجود الإنسان ، وأخذنا بنظر الاعتبار كل جهاز من أجهزته ، فسنرى أنها خلقت من ناحية البناء والهيكل ، والحجم ، ووضع الخلايا ، وطريقة عملها ، بشكل تستطيع معه أن تؤدي وظيفتها على النحو الأحسن ، وفي الوقت ذاته فقد وضعت بين الأعضاء روابط قوية بحيث يؤثر ويتأثر بعضها بالبعض الآخر بدون استثناء . وهذا المعنى هو الحاكم تماما في العالم الكبير مع المخلوقات المتنوعة ، وخاصة في عالم الكائنات الحية ، مع تلك التشكيلات والهيئات المختلفة جدا . والخلاصة : فإنه هو الذي أودع أنواع العطور البهيجة في الأزهار المختلفة ، وهو الذي يهب الروح للتراب والطين ويخلق منه إنسانا حرا ذكيا عاقلا ، ومن هذا التراب المخلوط يخلق أحيانا الأزهار ، وأحيانا الإنسان ، وأحيانا أخرى أنواع الموجودات الأخرى ، وحتى التراب نفسه خلق فيه ما ينبغي أن يكون فيه . ونرى نظير هذا الكلام في الآية ( 50 ) من سورة " طه " من قول موسى وهارون ( عليهما السلام ) : ربنا الذي أعطى كل شئ خلقه ثم هدى .